الجزء الثاني: أصوات الجدران

كانت الوجوه تتزاحم من حولها، ملامحها مطابقة لملامح الفتاة، لكن العيون… كانت أشبه بثقوب مظلمة تتسع وتبتلع أي نور. كل وجه يضحك ضحكةً مختلفة، بعضها خافت كهمس، وبعضها حاد يجرح الأذن.

ارتجفت الفتاة وتراجعت خطوة، لكن الأرض تحولت لسطحٍ رطب، لزج، كأنها تقف فوق لحمٍ حيّ ينبض.
صرخت:
– "طلّعوني! ما بدي شوف هالشي!"

القطة السوداء كانت جالسة في وسط الغرفة، تهز ذيلها، والابتسامة المريبة ما فارقت وجهها.
قالت بصوتٍ بارد، فيه قوة مخيفة:
– "إنتِ اللي اخترتِ تدخلي. واللي بيدخل… ما بيطلع إلا إذا شاف حاله."

اقتربت واحدة من النسخ من الفتاة، شعرها مبلل كأنه خرج من بئر، وضعت يدها الباردة على خدها وقالت بنبرة لزجة:
– "نحنا انتي… وانتي نحنا. كل خوف، كل كذبة، كل لحظة خجل خبّيتيها عن العالم… نحنا عايشين هون."

الفتاة دفعت النسخة بعيدًا وهي تلهث، لكن حين التفتت، كان الباب قد اختفى. الجدار مكانه يتنفس، يفتح مسامًا داكنة، يطلق بخارًا كريهًا.

صوت القطة ازداد حدة:
– "الهروب خلص… صرّفي. يا بتصيري جزء منّا… يا منصير نحنا انتي."

الظلال حولها بدأت تلتصق بجسدها، تلتف على ذراعيها ورقبتها، تضحك وتهمس بكلمات غريبة، بعضها مألوف، كأنها أفكارها القديمة تُقال بصوتٍ عالٍ.

وسط الصراع، صرخت الفتاة:
– "أنا مش إنتو! أنا مش ضعيفة! أنا… أنا بدي أعيش!"

لكن الغرفة انفجرت ضحكًا، والنسخ كلها ردّدت في صوتٍ واحدٍ عميق:
– "اللي بدّو يعيش… بدو يدفع."

وفجأة، فتحت القطة عينيها أكثر، تحولت إلى دوامة سوداء هائلة، وبدأت تسحب الفتاة نحوها، صرخاتها تختفي وسط العتمة.

وفي آخر لحظة… وجدت نفسها واقفة وسط القرية من جديد، والليل ساكن، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن حين نظرت إلى زجاج نافذة بجانبها… رأت انعكاسًا لها يبتسم، ابتسامة ليست لها.

⬅ العودة للجزء الأول